فوزي آل سيف

94

أعلام من الأسرة النبوية

ولهذا كانوا ينتخبون أشجع من في المعسكر! أو إذا كان أحدهم يريد أن يتقدم ويبرز شجاعته وفروسيته.. ربما لهذا السبب خرجَ أكابرُ قريش للقتال: عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة. وكل منهم كان مقاتلا مجربا، وعرف عنهم القوة والشجاعة، وبينما كان الأولان في خمسينات العمر فقد كان الوليد في ثلاثيناته.. من طرف المسلمين بادر ثلاثة مِنَ الانصارِ هم معوذ ومعاذ وعوف بنو عفراء فسألهم أولئك: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة! ونادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا! فقال النبي: قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إذ جاءوا ببطلانهم ليطفئوا نور الله، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي، فلما قاموا ودنوا قالوا لهم، من أنتم؟ لأنهم كانوا لا يعرفون من السلاح قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ: قالوا نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة بن الحارث وكان أسنّ القوم ــ كان أسنّ من النبي بعشر سنين ــ عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وأما علي فلم يمهل أن قتل الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذففاه واحتملا صاحبهما وكان ينزف إلى عسكر المسلمين، وأضجعوه في خيمة. قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وآله هنا ذكرَ أبا طالب وقالَ مَنْ يحفظْ مِنكم شعرَ أبي طالب قالُوا تقصدُ: كَذَبْتُم وبيتِ اللهِ نتركُ مكةَ * ونظعنُ إلا أمركم في بلابلِ كذبْتُم وبيتِ اللهِ نبُزْي محمداً * ولمَّا نطاعن دونه ونناضلِ ونسلمه حتى نصرعَ حولَهُ* ونذهل عَنْ أبنائِنا والحلائلِ قالَ: بلى لو كانَ أبو طالب حياً لقرت عينه! وإنما ستقر عينه لأنَّ هؤلاءِ المقاتلين كلهم ضمن إطارِ عبد المطلب، فحمزة ابنهُ المباشر وعبيدة حفيدهُ ابن ابنهِ وعلي حفيدهُ وابن ابنه! بعد هذه الجولة التي صنعت النصر الداخلي للمسلمين، والهزيمة النفسية للمشركين، صارَ الالتحام الشامل مِن قبل القرشيِينَ لأنهم كانوا ثلاثة أضعاف عدد المسلمين فأرادوا أن يوظفوا القوة العددية لصالحم، وواجههم المسلمُونَ ببسالة فردية وبتخطيط متقن من رسول الله صلى الله عليه وآله، فضيعوا على المشركين استفادتهم من كثرة أعدادهم.. وكانَ لَحمزة في هذا الدور الكبير حتى أنه سأل بعض القرشيين أحد المسلمين فيما بعد: من هذا الذي كان معلما بريشةٍ في صدره؟ قال: ذاك حمزة بن عبد المطلب! قال: هذا الذي فعل بنا الأفاعيل! انتهت معركة بدر.. وعاد المسلمون إلى المدينة بنصر مؤزر ومعهم عدد من أسرى قريش، التي خلفت وراءها بالإضافة إلى الأسرى سبعين قتيلا من كبار شخصياتها، وخلفت وهو الأهم هزيمة مجلجلة، في معركة فاصلة، لم تكن متكافئة العدد ولا السلاح، ومع ذلك هزموا شر هزيمة.. الأمر الذي سجله القرآن الكريم منوها بفضل الله فيه، قائلا: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (*) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ